محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

286

الإنجاد في أبواب الجهاد

مسائل من الاسترقاقِ والوطء بملك اليمين * مسألة : اتفق أهل العلم فيما ملكه المسلمون من سبايا الكفار فأَسلمنَ ، أنَّ وطء من أَسْلمَ منهنَّ ولم يكن لها زوج ، أو كانَ فقُتِلَ ، حلال لسيدها بملك اليمين ، من أي أصناف الكُفْر كانت ؛ كتابية أو وثنيَّة إذا هي أَسْلَمتْ واستُبرئت ، واختلفوا إذا هي بَقِيَتْ على دينها ولم تُسْلِمْ ؛ فمنعت طائفة وطأها عموماً ، وأباحته طائفة عموماً ، وفَرَّقت طائفةٌ - وهم الجمهور - بين أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى وبين الوثنيات ، وسبب الخلاف تعارض الأدِلَّة في ظواهر الآي ، فعموم قوله - تعالى - : { وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } [ البقرة : 221 ] ، يَتضمَّن المنع من الجميع عندَ من جعلَ لفظ « الإشراك » عامًّا في أصناف الكفر ، وهو موضع خلافٍ بين أهل العلم ، وأما لفظة « النكاح » فعامٌّ في الوطء بأصلِ اللغة ، يتناول ملك اليمين والزوجات ، أعني : أنه موضوعٌ على الجماع ، وإنما يُستعمل في العَقْدِ اتِّساعاً ( 1 ) ، فهذا مذهب ، وعموم قوله - تعالى - : { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } [ المؤمنون : 5 - 6 ] ، يتضمَّن إباحة كُلَّ مملوكةٍ لمالكها ، مسلمةً كانت أو كافرةً ، كتابية أو غَير كتابية ، فهذا مذهبٌ ثانٍ . وأما الذين فَرَّقوا بين الكتابيَّات وغيرهن ، فإنهم حملوا قوله - تعالى - : { وَلاَ تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ } [ البقرة : 221 ] على أنه فيما سوى الكتابيات ، بدليل النصِّ على إباحة تزوج الكتابيات في قوله - تعالى - : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ } [ المائدة : 5 ] ، وبدليل وجود التفريق من الشرع في هذه الصِّفة ، - أعني : الشرك بين أهل الكتاب وغيرهم - في مواضع من القرآن ، قال الله - تعالى - : { مَّا

--> ( 1 ) هذا الذي قرره هو مذهب الحنفية والمالكية ، وقال الشافعية بأن النكاح هو العقد ، وقرر القاضي أبو يعلى أنه حقيقية في الأمرين ، واختاره ابن تيمية ، وانظر : « الحاوي الكبير » ( 11 / 9 - ط . دار الفكر ) ، « المغني » ( 9 / 339 ) ، « المبسوط » ( 3 / 192 ) ، « الذخيرة » ( 4 / 188 ) .